كاب المرسيدس
في أوجّ مراهقتي في مرحلة المتوسط أو الثانوية – لا أتذكر تحديداً – وقعتُ في حب الكاب/ القبعة/ البرنيطة ...، وباتت تلازم رأسي منذ أن أخرج من المنزل حتى أعود إليه، فقد وجدته مريحاً ويؤدي الغرض المنشود منه سواءً في حماية الرأس من سياط الشمس ولهيب الحر أو تغطية الشعر غير المرتب الذي اتكاسل عن تمشيطه أحياناً.
وكعادة أي هَبة شبابية تركت هذه العادة لسنوات طويلة، ولكن بعدما كبرت في السن وبدأت تتساقط خصل الشعر وافتضحت كدمات الرأس و(الفلقات) التي كانت مختبئة، واتسعت رقعة الصلعة وحدود الجبهة تزداد شيئاً فشيئاً... فكان من الضروري العودة إلى لبس الكاب، وبحكم أنني من متابعي الفورمولا 1 قررت اقتناء كاب يحمل علامة فريق مرسيدس في الفورمولا، فاتصلت بصديقي باسم السلوم - المُحب للفورمولا وأخباره وحضور جولاته المقامة في منطقتنا العربية - وطلبت منه أن يشتري لي قطعتين من كاب فريق مرسيدس (أسود وأبيض).
لم يدر بخلدي أن يكون للكاب تأثير يفوق الغاية من اقتنائه وهو تغطية رأسي المصلّع، إذ لاحظت أن الناس التي لا تعرفني – وخصوصاً العاملين في المحلات والمتاجر- يتعاملون معي بطريقة مبالغ فيها من الاحترام والتقدير وكأني من أصحاب السلطة والجاه، فلا يخلو حديثهم معي من ديباجة (طال عمرك)، وليس ذلك بسبب هيبة الطلة ومهابة المحيّا، بل من سحر علامة مرسيدس الذي يشعّ بريقاً جذاباً فوق رأسي، بل أن أحدهم حينما اجتمعت به في إحدى المقاهي سألني أي سيارة مرسيدس تقف أمام المقهى تابعة لي؟ لا أخفي سرّاً أنني وددتُ أن (أمشي) عليه الاعتقاد الذي يدور برأسه وأرمي له باسم أحد الموديلات ولكن فضّلت الاعتراف له بأن الموضوع ليس له علاقة بالسيارة، وأن سيارتي فورد توريس وهي تقبع في ركن قصي من مواقف المقهى (وبالمناسبة سيارة جيدة أنصح بها).
هذه المواقف أثارت فيّ الفضول وتساؤلات عن أهمية اللبس الفخم و(التكشخ) وخصوصاً في العمل، وهل هذا التأنق يجعلك في نظر الناس ممن يستحق أن يقال عنه (سم طال عمرك) أو أن هذا الموضوع لا تأثير له بشكل كلي؟
من وجهة نظري الشخصية، أرى أنها تعتمد على طبيعة المكان وهل هناك مقابلة للجمهور أو لا، فمثلاً عند الذهاب إلى أي بنك لن تجد موظفاً يعمل من دون شماغ أو بأزرار مفتوحة أو يجلس بطريقة توحي لك بأنه منهمك بالعمل، بل ستجده يعمل وفق بروتوكولات صارمة بأن يكون في قمة الكشخة وبهندام أنيق وحذاء يلمع يجذب انتباه العمل ويعكس صورة محترمة عن الجهة التي يعمل بها.
ولكن هذا المنظر يتفاوت حينما تذهب إلى قطاعات عامة لا يكون فيها مقابلة للجمهور، فهناك من يعتقد أن الموظف يجب أن يكون بكامل أناقته طول وقت العمل، وهناك من يأخذ هذا الموضوع بشكل جدي حتى وإن كان الموظف من ذوي الإنتاجية الضعيفة، ولهذا لا يستغرب أن يبرز موظف (رغم سوءه) بسبب شكله المرتب وكلامه المنمق وقد يصل أحياناً إلى مناصب رفيعة؛ لأن بعض الإداريين ينخدعون بالشكل الأنيق والمظهر الفخم، ولهذا يستغل البعض ذلك في اقتناء أفضل أنواع الشماغ واختيار أجود أقمشة الثياب ويمتلأ بيته وسيارته ومكتبه بعشرات العطور، وينتعل حذاءً فاخراً من ماركة عالمية مكلفة جداً ومصنوعة من جلد تمساح عريق من مواليد نهر الأمازون! وغيرها من مظاهر التأنق والتكشخ لكونه يعرف أن هذا الاهتمام سيساعده في تقبل الناس له واقتناعهم به.
شخصياً .. دائماً ما أقدّر الشخص المنهمك في الاجتهاد بعمله وتفانيه بالمهام الموكلة إليه مهما كان لبسه (لا يعني ذلك أن يلبس شورت بالمكتب!) ولكن هناك أشخاص لا يعرفون العمل وهم بكامل أناقتهم، وأقيس هذا الأمر بنفسي .. إذ لا أحد أن ابتدأ العمل وأنا مرتدياً الشماغ، فأول ما أقوم به حينما أدلف إلى مكتبي هو انتزاع الشماغ ووضعه جانباً وانهمك في العمل غير مبالٍ بصلعتي وخصل شعري القليلة تتمايل بكل بجاحة أمام الجميع!
واتذكر هنا لزميل أعمل معه هذه الأيام في عدة مشاريع واتواصل معه بشكل مباشر يومياً، وهذا الشخص نابغة في مجال عمله، والكل يتعلم منه وأنا أولهم، ولكن لو رأيته وهو يعمل لراودك شعور بأنه موظف في ورشة حدادة أو نجارة!، فهو لا يجيد التكشخ، كل شيء فيه بسيط جداً، وأكثر ما أنبهه عليه – بشكل شبه يومي- أن يربط الحذاء .. وهو ما يذكرني بطالب في المتوسطة يرتدي الملابس الرياضية لأول مرة وهو فرح بحصة الرياضة الأسبوعية وهو لا يعرف كيف يربط حبل حذائيه من الفرحة!
بعد تأثير كاب المرسيدس .. أصبحت أفكر ماذا أضيف عليه لتزيد من مكانتي المزيفة عند البسطاء أو من لا يعرفني .. سيارة؟ حذاء فخم؟ أحلق وجهي يومياً؟ .. لا أعلم
الشيء المؤكد بأنني لن أقوم بتغيير شيء؛ لأني لا أحب ذلك .. ويجب عليك أن تتقبلني ببساطتي .. اتفقنا؟
🌹 مرحبا وعودة حميدة بلا انقطاع ان شاء الله