مفاتيحك لسيرة عمل عطرة
التجارب هي لب الحياة... ومهما قرأتَ أو سمعتَ أو درست؛ فإن أعظم ما يجعل الإنسان أكثر إلماماً في أمور حياته وعمله هي التجارب التي يعيشها، فمن خلالها تقوّم نفسك، وتتعلم من المطبات والعثرات التي تواجهها لتعدل مسارك، وأيضا في المقابل تجعلك تشعر بالفخر والسرور من الإنجازات التي تحققها، فالتجربة هي بابك للمعرفة قبل أي شيء أخر، وإن أهم نصيحة تسمعها من الناس هي عندما تعاني من جلد للذات كما يحدث في حياتي العملية من قرارات كانت غير موفقة.
فالنصيحة التي تكون عن فقدان الشيء أو فواته هي دائما ما تعبر عن الألم الداخلي، ولذلك عندما تسمع من يقدم لك هذه النصائح فعليك أن تدرك أنها ثمينة جداً وأن من قدمها لك غالباً ما يكون دفع ثمناً باهظاً في حياته أو ألماً يتجرعه بعد سنوات قد لا تستوعبها مخيلتنا.
وخلال عملي كموظف بسيط لمدة 18 سنة، عشت الكثير من التجارب التي صقلتني وعلمتني عن أمور كثيرة سواءً أكانت نجاحات أم إخفاقات، وكشفت لي ما هو الشيء الذي فاتني ولم أتصرف فيه التصرف المثالي، وما هو الشيء الإيجابي الذي أعطاني قيمة وجلب السرور لي.
هذه التجربة الطويلة والمتواضعة سمحت لي أن اكتب هذا المقال والذي من خلاله أقدم بعض النصائح التي اسأل الله تعالى أن تكون عوناً لك في أن تجعل من مسارك الوظيفي جميلاً منذ بدايته، وتتجاوز فيه بعض الأخطاء والتي وقعتُ فيها، وهي نصائح لكثير من زملائي وزميلاتي وخصوصاً من هم على مشارف بداية حياتهم العملية.
اتقن اللغة الانجليزية
لم أتصور نفسي في يوم من الأيام أن أقدم هذه النصيحة، فأنا من مدرسة دعم لغتي العربية ووجودها بشكل أساسي في العمل او الدراسة، ولكن تبدل هذا الرأي بعد معايشتي للواقع الذي يجبرنا على الاقتناع بأن اللغة الإنجليزية أصبحت حاجة ملحة أكثر من أنها ترف معرفي.
فهي اللغة التي أصبحت لغة أساسية في التعامل، فانت لا تستطيع كتابة بريد إلكتروني هذه الأيام إلا بالإنجليزية -خصوصا في القطاع الخاص - ، وإن كنتُ بدأت أرى أنها باتت تغلغل حتى في القطاع الحكومي؛ بسبب أن أغلب خريجي الابتعاث بدأوا بالعمل بكثرة في هذا القطاع، وبحكم دراستهم وعملهم السابق فقد استساغوا فكرة استخدام اللغة الإنجليزية كلغة أساسية، سواءً في المراسلات البريدية أو حتى في الاجتماعات.
لا تجعل هذه النصيحة تحبطك، فانت في بداياتك ستحتاج تعلم الأساسيات في اللغة، ومع الوقت ستجد نفسك تستطيع المخاطبة والكتابة باللغة الإنجليزية بشكل سليم ومقبول في العمل، إذ ستبدو المصطلحات الأساسية معروفة وكثيرة التداول وسيسهل عليك التعامل معها مستقبلاً.
بناء العلاقات
العلاقات أو المعارف أو الشلّة، سمّها ما شئت فانت تحتاجها في مسيرتك العملية، وبناء هذه العلاقات لا يمكن أن يأتي بشكل سريع ومباشر، فأنت تحتاج أشهر وسنوات لبنائها بشكل تدريجي خصوصا مع بروز جهودك وعملك المميز، وكذلك الترويج لنفسك وانجازاتك بشكل مستمر.
فالعلاقات بين زملائك لا يعني أن تستغلهم لغرض ما، بل لتكوين معارف وصداقات يمكن الاستفادة منها في التعلم منهم، أو طلب المساعدة في امر ما أشكل عليك معرفته أو طريقة معالجته، وكل ما كانت هذه العلاقات قوية كل ما كانت النجدة لمساعدتك أسرع وأسهل ومن دون أن تظهر بشكل غريب ومحرج، خصوصا مع الناس الذين لا تعرفهم أو لا تربطك بهم علاقة.
كما أن هذه العلاقات ستتطور مع السنوات وانتقالك لوظائف جديدة، كما أن زملائك الذين تعمل معهم سينتقلون لوظائف أخرى ومع الوقت ستكتشف أن لديك شبكة علاقات متنوعة في كثير من القطاعات والمجالات مما يسهل عليك مجالات البحث أو السؤال واكتساب الخبرات والمعارف وربما تكون مجالاً رحباً للاستقطاب الوظيفي.
الترويج لنفسك
حتى تستطيع أن تبني العلاقات مع من هم حولك، فإن أهم شيء يجب عليك القيام به هو: الترويج لنفسك وتعريف الناس بك، خلال السنوات الماضية درّبت العديد من الموظفين والموظفات وكان من أهم الملاحظات التي شاهدتها هو أن الموظف الذي يستطيع عرض إنجازاته وأعماله ويكون نوعا ما (ملسون) بذكرها، فأنها تفتح له أبواب لن يصل إليها لو كان شخص ساكت ولا يذكر ما حقق من أعمال.
وهنا يجب أن نفرق بين الادعاء وبين الترويج لما تقوم به فعلاً، فإن الادعاء ربما يكسبك سمعة جيدة في بادئ الأمر ولكن ستكشف مع أول اختبار حقيقي، وصدقني لن تستطيع أن تحسّن سمعة تلطخت إلا بجهد مضاعف وسنوات طويلة، وفي المقابل لا يكون الترويج شغلك الشاغل الذي يجعلك لا تركز في عملك أو تهمل في إنجازه بحجة الإنجازات التي قمت بها سابقاً.
الشهادة فوق كل شيء
في هذا القسم من المقالة أوجه رسالة لفئة ليست بالقليلة وهي التي لم تكمل دراستها أو لم تدخل الجامعة كما حصل لي.
إن من أكثر الأشياء التي تشعرني بالمرارة خلال مسيرتي العملية هو إهمال هذا الجانب المهم، فأنا خريج دبلوم، ولم أكن أعتقد فيأ يوم من الأيام أنني سوف أحتاج للحصول على شهادة أعلى منها وهنا أعني شهادة البكالوريوس، فمن تجربتي بسوق العمل الشهادة لازالت مهمة جدا، ولا يغرك الكلام الذي يخرج من البعض بأن الشهادة لا قيمة لها! فأنا دائما ما أشبه الشهادة الجامعية بالمفتاح الأول الذي يدخلك أسوار العمل ، فمهما كانت خبرتك وكثرة دوراتك، فأنها لن تسمح لك بتجاوز هذا السور والقفز عليه، أنت تحتاج الدخول من الباب وهذا الباب يتطلب أن يكون معك مفتاح الشهادة الأكاديمية، عن نفسي... أدركت هذا الخطأ الشنيع بعد أن أصبح وصولي لمراتب عليا يتطلب تجاوزها لمناصب أعلى حصولي على هذه القرطاسة المسماة بالبكالوريوس، والتي تسببت في منعي من الكثير من الفرص المماثلة، وجاء تصحيح هذا الخطأ بشكل متأخر بدخولي مؤخراً إلى أحد الجامعات لاستكمال دراسة البكالوريوس.
في الجانب المقابل، لا أنصح أبداً بأخذ الشهادات العليا مثل الماجستير في بداية حياتك العملية، صحيح أنها تعطيك قيمة مجتمعية ورضا داخلي، ولكن في العمل سيُنظر لك بأنك مؤهل أكثر من اللازم، فقد لا يتم توظيفك اعتقاداً بأنك شخص سيتطلب مكاناً يتوافق مع شهادته، وهذا مخالف لما هو حاصل في السوق حاليا والذي يبحث عن خريج بشهادة جامعة مع اكتساب خبرة بالعمل، ففي حالة حصولك على الماجستير فأنت لديك الشهادة، ولكن تنقصك الخبرة فيتم التغاضي عنك.
ما هو الوقت المناسب للشهادات العليا؟ باعتقادي أن أول سبع سنوات هي لبناء شخصيتك وخبراتك، وبعدها يمكنك التفكير في الحصول على الشهادات العليا والتي ستعطيك قيمة أكبر عند الرغبة للوصول لمناصب كبيرة، كما أنك وقتها ستكون متميزاً لاكتسابك خبرة عملية ومعرفة علمية وستكون الشهادة إضافة قوية لك.
تطوير الذات
إن من أعظم مميزات الانترنت هو فرصة الحصول على المعلومة بسهولة، سواءً أكانت مدفوعة أم مجانية، وأحد أهم الطرق لتحسين سيرتك الذاتية هو أن تعمل على تطوير نفسك.
فالإنترنت الآن يعج بمواقع كثيرة متخصصة في تقديم الدورات في شتى المجالات، وأغلبها شهادتها معترف بها ولها قيمتها في سوق العمل، وهذا ما يجعلني أركز على أهمية الاستثمار بنفسك والعمل على تخصيص ميزانية شهرية لأخذ ما يناسبك من دورات تزيد من معرفتك وخبراتك وترفع من قيمتك السوقية مستقبلا.
لا تنسى نفسك
عندما تغرق بالأعمال اليومية وتصاب في بداية حياتك العملية بالاحتراق الوظيفي، تبدأ وبشكل متسارع مرحلة كره العمل وعدم الرغبة بعمل أي شيء، وهذا ما ينعكس في بعض الأحيان على أدائك ويظهر جلياً أنك لا تريد بالقيام بأي مهام، فتصاب مع الوقت بنوع من الاكتئاب.
علاج هذا الأمر بسيط، لا تضغط على نفسك، واجعل لنفسك فسحة في الخروج عن إطار العمل والتعليم الذاتي، وهذا يمكن من خلال التحكم بوقتك بشكل سليم ومعرفة كيفية توزيع ما تقوم به في أسبوع او شهر أو في السنة.
ختاما
هي نصائح أقدمها لك مثل ما ذكرت سابقاً من وحي تجربة عشتها، كثير من الفرص الذهبية فوتها على نفسي وجعلتي أندم ندماً شديداً على عدم القيام بها، ولذلك تصحيح مسارك من البداية أسهل بكثير من أن تدرك هذه الحقائق في سن متقدمة، فالتحديات في بداية عمرك سهلة وتستطيع تجاوزها، بعكس حينما تتقدم في العمر وتكون تحت رحمة أطراف عديدة مثل عائلتك وغيرها.. التي تتأثر بأي قرار ستتخذه أو مسار وظيفي تختاره، فلن يكون الأمر متعلقاً بك وحدك كما كنت في شبابك ... ولا أقصد هنا إحباط من هو بنفس ظروفي بل بالعكس أنا أشجعه كذلك لإصلاح ما يمكن إصلاحه ولكن مع الاستعداد النفسي والذهني للتعامل مع تبعات هذه القرارات، والتي تتطلب دعماً عائلياً وزيادة مخزون الصبر لفترة وجيزة لحين تحقيق الأهداف المرجوة.