التقاعد، الحلم المنتظر
تستيقظ في الصباح الباكر، تقاوم النوم اللذيذ، وتعصر رأسك بين طرفي المخدة محاولاً الهروب من صوت المنبه المزعج الذي يعلو من هاتفك، ولا تستسيغ نغماته حتى وإن كانت بصوت محمد عبده بذاته! تتحول نغماته إلى ناقوس حرب تدق أجراسها لتدعوك إلى خوض معركة جديدة في حياتك .. تضغط زر الغفوة مرة ومرتين وثلاثًا، ، لكن في لحظة ما، ومع تأنيب الضمير والشعور بالمسؤولية الذي يستيقظ من نومه مثلك، تنهض متململاً وتجرجر نفسك للذهاب إلى العمل.. منزوع الشغف.. مثقلاً بالهّمّ.
لكن... هناك برهة قصيرة من الزمن بين استيقاظك وانتفاضتك من فوق السرير، يخوض فيها عقلك صراعًا داخليًا، ويطرح ذلك السؤال الأزلي والمهم: متى أتقاعد وأمتلك وقتي ونومي وجسدي؟
تجد أناملك تذهب مباشرة إلى تطبيق “قوسي” - الذي تدله أناملك أكثر من تطبيقات أخرى- لمعرفة موعد استحقاقك للتقاعد المبكر، رغم أنك تعرف الموعد بالضبط وبالساعات أيضاً، لكنك تحاول إرضاء رغبتك فقط، وتخفيف وطأة السؤال بمواجهة الواقع اللحوح: متى سأتقاعد؟ هل أحتاج إلى أربع أو خمس سنوات؟ أو ربما عشر سنوات؟ لا يهم. المهم أن هناك عملًا ومسؤولية بانتظارك، وعليك أن تنهض وتسعى في طلب رزقك، فالتقاعد لا يزال بعيدًا عن متناول يديك، ويشفع لي الاستمرار هو أن عملي بطبيعته الحالية ممتعة ومثيرة مما تسمح لي بالوقوف والاستمرار وتقديم كل طاقتي المتبقية.
أنا مؤمن أن الرحلة المهنية لأي إنسان تمر بثلاث مراحل: مرحلة التعلّم والاستكشاف، مرحلة إثبات الذات وتذوّق طعم الإنجاز، ثم مرحلة المكافأة والراحة.
المرحلتان الأولى والثانية ترتبطان بحماسك، بطاقتك، وبرغبتك في الإنجاز. أما المرحلة الأخيرة، فهي تجسيد لنهاية المعارك التي خضتها، سواء كنت منتصرًا أم خاسرًا، ففي النهاية، كل ما تريده هو الراحة، وامتلاك ما تبقى من عمرك لنفسك، لعائلتك، لهواياتك “السخيفة والغبية والجميلة” — لا يهم وصفها، بقدر ما يهم شعورك بأنك خالٍ من الالتزامات والصراعات، وأن صندوق عقلك الفارغ هو من يتحكم بك طوال الوقت.
لكن... هل التقاعد والفراغ فعلًا هو الحل؟ تكمن المشكلة في أن أجسادنا وعقولنا مبرمجة على العمل. فعندما تقضي أكثر من 22 عامًا موظفًا بعملٍ تقليدي، يصبح عقلك الباطن هو من يوقظك صباحًا، ويتحكم بساعتك البيولوجية، ويقود جسدك نحو الروتين دون مقاومة. ولهذا، نرى كثيرًا من المتحمسين للتقاعد يدخلون في صراع نفسي بعد أن يواجهوا صدمة الفراغ، حين لا يجدون شيئًا يشغلهم أو يشعرهم بجدوى بقائهم على قيد الحياة، أو يجردهم من القوة والسلطة التي كانوا يمتلكونها بفضل طبيعة عملهم.
أتذكّر والدي، الذي عمل لسنوات طويلة في مجال التعليم حتى تقاعد. كان من أولئك المنضبطين، لا يعمل إلا ضمن نظام صارم: نوم مبكر واستيقاظ عند خيوط الفجر الأولى، ثم يتجه إلى العمل، ثم يعود منه ليقضي بقية يومه ليلتهم الكتب التهامًا، ويسكب عصيرها مؤلفاتٍ وبحوثاً... أتذكر لحظة تقاعده ووقوعه في صدمة الفراغ وحقيقة الحياة بعد التقاعد… تلك الفترة الصباحية والظهيرة التي كانت ملكًا للعمل، اختفت فجأة.. وأضيفت لحياته ساعات إضافية لم يكن يفكر فيها، ولم يشعر بها طيلة سنوات حياته العملية.
وفي لحظة غير متوقعة، انقلب نظام نومه رأسًا على عقب، كأسوأ من مراهق في إجازة صيفية، ومن أطرف ما أذكر، أنه بدأ يغزو غرفة نومي بعد الساعة 12 ليلًا، للسهر على أنغام الأخبار السياسية وصدى البرامج الوثائقية. وكان يطلب مني تجهيز ثلاثة أشياء: نسكافيه، وطفاية سجائر، وتشغيل التلفاز. ثم يقول لي: “ارجع نام، وراك دوام، وأنا لا.”
ولذلك تجد الكثيرين يقترحون أن يكون لديك خطة لما ستقوم بعمله بعد التقاعد، مثل: السفر، القيام بنشاطات رياضة أو نشاط غير محبوب للأبناء ولكن المتقاعد دائما تجده يستأنس به مثل: ترميم البيت المبرر وغير المبرر في كثير من الأحيان، أو الالتفات للزراعة أو قضاء أوقات طويلة في الكشتات والرحلات البرية.
عني، أريد الفراغ التام، وهذا الفراغ قد يتيح لي أن أقوم بأشياء جديدة وتجارب بعيدة عن صراعات العمل، وكما قال الكاتب الياباني Makoto Yukimuraفي تحفته Vinland Saga بعد أن اختفى الهدف الوحيد للشخصية الرئيسية للقصة "أن تكون فارغًا يعني أن كل شيء يمكن أن يجد مكانًا بداخلك. إذا كنت تريد أن تولد من جديد، فإن الفراغ هو أفضل حالة تكون عليها."
مبدع ابو نورة 🙏🏻
بعد التأمل في حياة جدي رجل الاعمال اللذي لم يقضي ساعة في وظيفه ان كان سيشارك الموظفين نفس شعور الضياع بعد التقاعد! اجيب نفسي بكيف لمن لم يعتد المواقيت الثابته و الانماط المعروفه ان يفقدها بعد تركه للاعمال، بالعكس فقد كان حتى بعد توكيل احد ليشرف على اعماله وقد ملك وقته، زاد سفره و كثرت مخططاته و انشطته بشكل غريب !
ربما يعود ذلك بسبب امتلاكه نفس روح القيادة و البحث عن الخطط و صنعها بنفسه لنفسه..