لا أدري
كنت قبل شهرين في أمريكا لحضور برنامج عن الاستثمار الجريء، كان المحاضرون لهذا البرنامج من العباقرة في مجال الاستثمار والرياضيات، ولهم باع طويل في عدة مجالات، تمكنهم من تبني نظريات أو الترويج لآراء معينة، بل يمكن أن يفرض عليك قناعات ويشكّل عقلك لتتعلم ما يريد أن يعلمك إياه، كيف لا وأحدهم كان مستثمر بالشركات الناشئة ومحاضر في إحدى الجامعات لأكثر من 15 سنة.
ولكن ورغم هذه الخبرات الطويلة والتي تبرر لهم أن يغتروا بأنفسهم إلا أن أكثر شيء لفت انتباهي هو مدى حرصهم - منذ المحاضرة الأولى- على التأكيد أن كل المحاضرات القادمة قابلة للنقاش والحوار وأنهم سيتعلمون من الطلاب، وسيقولون (لا أدري) عندما يُطرح عليهم أمر لا يعرفون جوابه، كما أبدوا حرصهم على التعلم من الحاضرين وما لديهم من خبرات ومعارف.
كان وقع هذا الأمر عليّ عظيم؛ فالإنسان المتمكن من مجاله والمتشبع من العلوم يشفع له أن يقول ما يريد ولا يجد غضاضة من الحديث بأريحية، ولكن أن تجد هذه العفوية والبساطة من حاملي درجات علمية عليا (بروفسور) ومن جامعات عريقة كان ذلك تأثيره الإيجابي ولم يمر عليّ مرور الكرام.
هذا الموقف ذكرني بفترة تعلمي في معهد الإدارة العامة من عام 1999 وحتى 2003، ولا أنسى فيها أنني مررت بأسوأ التجارب والمواقف وأظنها مرّت على كثير من الطلاب، عندما قام بتدريسنا دكتور مغرور يخيّل لك أنه حاز نصف غرور الأرض، ودخل علينا ينشر الوعيد والتهديد ويصف من حوله بالحُمق والجهل، وأنه العالم بكل شيء... كانت تلك الأيام سيئة للغاية، فجميع الطلاب لا يرغبون بالحضور معه ويأتون للمحاضرة مكرهين وكأن سحابة سوداء تغطي تلك القاعات من البؤس والكآبة، وتسببت عنجهيته وغروره وأسلوبه الحاد إلى رسوب الكثير من الطلاب، ووصلت المشاكل والخلافات معه إلى الإدارة العليا في المعهد.
لماذا تذكرت هذه القصة؟ لأنها كانت ذكرى سيئة ولم أستطع نسيانها بسبب المواقف التي حدثت في فترة الدراسة رغم مرور أكثر من 20 سنة، فالجانب السلبي السيء الذي خُلد في ذاكرتي ومشاعري بسبب هذا الأسلوب في المعاملة يجعل الإنسان يتذكر الشخص بصورة سيئة دائماً.
إن التواضع – رغم مستواك التعليمي العالي وخبرتك العملية الطويلة- يرفع من قيمتك أمام الناس، فمهما كنت متخصصاً وذو علم كبير فإن تقدير الناس لك ينبع من نقاشك معهم والتعلم منهم قبل أن تكون معلماً لهم، فكلمة (لا أدري) والتي تدخل في سياق التواضع تجعلك تتذكر كل من التقيتهم وهم في أعلى المناصب وكانوا في قمة التواضع وانطباعك عنهم إيجابي جداً ولا يذكرون إلا بالخير دائماً.
وأخيراً..لا يحتاج أن أذكر أن ديننا وثقافتنا الإسلامية تحث على التواضع ونبث الغرور، واستحضارنا دائماً ( من قال لا أعلم فقد أفتى) .. خلكم متواضعين يا مال الغنيمة!
تدوينة تحمل دروس عظيمة وحكم بالغة .
أعتقد أن أهل العلم والمعرفة هم أعلم الناس بأن لا سقف له ولا حدود دونه، وأن غاية العلم الانتفاع به، والانتفاع به يكون بخلق العلوم من صلبه، وأصل المعارف وبذرتها -سؤال- لم تتضح إجابته بعد .